الشيخ حسن بن طه الأول الكيّالي

الشيخ حسن ابن الشيخ طه الكيّالي، العالم الصوفي الرفاعي الطريقة

 

ولد سنة 1269. وبعد أن أتم القراءة والكتابة أخذ في تحصيل العلم، فقرأ على الشيخ عمر الطرابيشي والشيخ إسماعيل اللبابيدي، وكانا يأتيان إلى زاويتهم المعروفة في محلة وراء الجامع ويقرأان له الدروس، وعلى الشيخ عبد القادر المشاطي والشيخ محمد الزرقا

وكان في مبدأ أمره يلبس فاخر اللباس، ثم خلع ذلك وصار يلبس خشنه، وأخذ في رياضة نفسه وتقليل الطعام والانقطاع إلى العبادة، وربما ذهب للاحتطاب ليأكل من ثمن كسبه الحلال، وصار يذهب إلى مزارات حلب ويظل في كل مزار ساعات، وحصل له شيء من الجذب، دام على هذه الحالة نحو ثمانية عشر عاما لم يأو في هذه المدة إلى فراش، وإذا نام ينام متربعا أو محتبيا، وقلّ أن ينام قبل طلوع الفجر، ويظل ليله مراقبا ذاكرا.

وصار للناس فيه اعتقاد عظيم، وهرعوا لأخذ الطريق عنه، وكثر مريدوه وازدحموا على حضور مجلس ذكره في كل ليلة جمعة

وفي سنة 1298 حج للبيت الحرام، وذهب معه نحو عشرين من مريديه كان ينفق عليهم من ماله، وصرف في هذه الحجة نحو 1200 ليرة عثمانية ذهبا. وحصل معه في حجته هذه مسألة اشتهرت عنه وزادت في اعتقاد الناس فيه، وهي أنه حينما كان هناك أتي له برجل مقعد، فقرأ له ما تيسر فقام في الحال بإذن الله تعالى. وشاع ذلك في مكة

وحج ثانية في سنة 1304 وكان معه نحو 30 شخصا ينفق عليهم نفقة واسعة، وقد باع للأولى والثانية بعض أملاكه التي ورثها عن أبيه وصرف ثمنها في هذا السبيل

ولما كان هناك بلغه أن أناسا من العبيد عليهم ضريبة لأسيادهم يؤدونها لهم مياومة، فاشتراهم واعتقهم، وكانوا ثلاثة عشرة عبدا. وأعتق في حلب ثلاثة من العبيد وسبعا من الجواري، وزوّج بعضهم.

وكان من شأنه أن يسمر مع زائريه إلى الساعة الرابعة والخامسة ويذاكرهم في مسائل علمية وأدبية وتاريخية. وقد كان له إلمام في التاريخ ومعرفة تامة في الأنساب خصوصا أنساب العائلات الشهيرة في حلب، ويعظهم بالمواعظ الحسنة بما يرقق قلوبهم ويوجب إقلاعهم عن المعاصي والدنيئات وتخلقهم بالأخلاق الحسنة، ويؤلف فيما بينهم بحيث يصدق في حقهم قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)

 

وكان كثير الصدقة، يقوم بمؤنة كثير من البيوت. وعمر مسجدا صغيرا في أول محلة العقبة قبيل الخان المعروف بخان كامل

وكان مربوع القامة أبيض الوجه خفيف اللحية، الحمرة لا تفارق عينيه، وهي أمارة الشهامة وقوة النفس، عظيم المهابة يهابه كل من رآه، سواء في ذلك من عرفه ومن لم يعرفه، لا يزور أحدا من الحكام ولا الأمراء ولا يرغب في أن يقابلهم، وبعد جهد حتى قبل زيارة جميل باشا والي حلب، ولا يزور أحدا من الأغنياء، بل كان الجميع يسعون لزيارته والتبرك بتقبيل يده وحضور مجالسه المفيدة الخالية عن اللغط ولهو الحديث

ولم يزل على حرمته وحسن طريقته إلى أن توفي بعلة الصدر ليلة الجمعة تاسع عشر المحرم سنة 1329 في الأيام التي حصلت فيها الثلوج العظيمة ودامت نحو أربعين يوما واشتد فيها البرد إلى أن وصل إلى 20 أو 22 تحت الصفر، وكثر الموت في تلك السنة خصوصا في القادمين إلى حلب من الأطراف والخارجين منها إلى غيرها، فقد مات أشخاص كثيرون في البراري لشدة البرد من كثرة الثلج الذي بلغ أزيد من ذراع في كثير من الأماكن ودام أياما، وتعرف هذه السنة بسنة الثلج، وصارت تاريخا لوفاة أناس وولادة آخرين، ولذا كان مشيعو جنازة الشيخ يوم وفاته قليلين، ولو لا ذلك لكان له جنازة حافلة نظرا لكثرة مريديه ومحبيه وعظيم اعتقاد الناس فيه، ودفن في تربة العبّارة خارج باب الفرج، رحمه ‌الله تعالى وأغدق عليه سحائب رضوانه

 

المصدر : إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء لمؤلفه الشيخ محمد راغب الطبّاخ الحلبي