الشيخ محمد يحيى بن إسماعيل الكيالي

شاهدة ضريح الشيخ محمد يحيى بن اسماعيل الكيالي في مقبرة السلاطين في الأستانةة

السيد محمد يحيى الكيالي

المتوفى سنة ١٣٠٥ هـ

هو السيد: محمد يحيى ابن السيد إسماعيل، ابن السيد محمد يحيى، ابن السيد محيي الدين، ابن السيد أحمد الكبير، ابن السيد إسماعيل الرابع الكيالي

ولد في إدلب سنة ألف ومئتين وسبع وخمسين، في حجر أبيه الأستاذ الشيخ إسماعيل، المرشد الكامل والفرد الواصل، فتربى تربية حسنة إلى أن بلغ الثانية عشرة من العمر، فتوفي والده، فتعهد إتمام تربيته ابن عم أبيه السيد: هاشم أبي المكارم ابن السيد محمد الفرضي

فلازم مع ولده الأستاذ السيد محمد النائب دروس خاله الأستاذ الكبير السيد الشيخ: عبد القادر بن أبي النور الكيالي في الزاوية، فأخذ عنه ما تيسر من العلوم العربية والفقهية

ثم لما بلغ أشده، لبس الخرقة الرفاعية عن ابن عمه الكبير الأستاذ الشيخ محمود الزاهد محيي الدين الكيالي، وبعدئذ قصد البلاد الحجازية، فأدى فريضة الحج، ومنها ساح في البلاد المغربية، فدخل طرابلس والجزائر وفاس ومكناس وبرَّ هاتيك البقاع، ونشر الطريقة الرفاعية، واجتمع مع الأستاذ الشيخ المدائني، والد الشيخ ظافر، أحد شيوخ السلطان عبد الحميد الثاني المشهور؛ فتبادل معه الطريقة، ذاك أخذ عنه الطريقة الرفاعية، وهذا أخذ عنه الطريقة الشاذلية. وقد ظهر له في تلك البلاد مظاهر جليلة، وكثر فيها تابعوه ومريدوه، وعظمه عظاؤها وأمراؤها مع الاحتفاء العظيم، يدل عل ذلك ما رأيناه بأيدي أولاده من خطوط أولئك الملوك والأمراء حينا يدعونه من بلد إلى بلد، من عشيرة إلى عشيرة؛ لينتفعوا ببركته ودعواته

ثم رجع إلى البلاد الحجازية، ومنها عاد إلى وطنه إدلب، فلم يلبث إلا قليلا، حتى قصد بلاد العراق لزيارة الجد الكبير السيد أحمد الرفاعي - رضي الله عنه - وضرائح بقية الأسلاف الطاهرين في واسط العراق؛ فنزل ضيفا كريما في البصرة، عند نقيبها - إذ ذاك - السيد رجب أقف، فأحسن مثواه، وأرفقه إلى أم عبيدة التي فيها مقام القطب السيد الرفاعي

فبعد أن زار رجع إلى البصرة، ومنها عبر خليجها إلى البلاد الهندية، فكان له من الحفاوة والاحتفال والكرامة لدى ملوكها وأمرائها، أجل ما كان له لدى ملوك الغرب، ونشر هناك الطريقة الرفاعية

وكان عل جانب عظيم من التقى والزهد والنزاهة، وصار له من المهتدين على يديه عدد لا يحصى، وتلامذة لا تستقصى، ثم عاد إلى إدلب سنة ألف ومئتين وثمان وتسعين، وأسس بجانب داره تكيته المشهورة الآن المعمورة، وقد كان محلها قهوة، فكان يستاء من وجود قهوة بجانب داره، وكان يتمنى أن يوفقه الله لشرائها، لتكون مكانا للعبادة، فطلبها من مالكها مرارا سابقا، فلم يفعل، فلما كانت هذه السنة المذكورة، طلبها من صاحبها، فأجابه، واشتراها، وتعاقدا، ودفع له الثمن، وباشر يومها في تأسيسها تكية، فأسس أولاً: المسجد لإقامة الشعائر الدينية، ثم أثناء ذلك توجه إلى الأستانة، فتعرف به وزراؤها وعظاؤها، إلى أن اتصل خبره بالسلطان عبد الحميد الثاني، فاستحضره، وأكرم مقابلته، وحينا اطلع على عفته وزهده، أمر أن يكون نزيله في دار المسافرين، الكائنة في محلة بشكطاش، وأهداه الرتبة المولوية العلية (بلاد خمس) والوسام العثماني الأول، ونقابةَ أشراف إدلب، وصدرت إرادته العلية بإتمام التكية في المسجد المذكور جهة الجنوب من الخزينة، وعيّن لها باسمه إطعامية للفقراء: خمس مئة قرش شهرياً يتقاضاها من صندوق أوقاف حلب

فعاد إلى إدلب، وأتم عمارة المسجد والتكية، وأخذ يقيم الشعائر الدينية، من صلاة وأذكار وأوراد وإطعام للفقراء، إلى أن كانت سنة ألف وثلاث مئة وخمس هجرية، حيث توجه ثانياً إلى الأستانة لأجل قضية الاستثناء من الخدمة للسادة الكيالية، فأصدر السلطان المشار إليه إرادته باستثناء أولاده فقط، وأضرب عن بقية أبناء عمه، وقد جد في استثناء البقية، فمرض في أثناء ذلك، فناداه داعي القضاء: أن هلمَّ إلى اللقاء، فقد انتهى الأجل، فأجاب الداعي إلى رحمة ربه، فشيعت جنازته بكال الاحتفاء والاحتفال، مشى فيها جماعة من علاء المشيخة ورجال المابين ومشيخة السجادة الرفاعية في الأستانة إلى مقره بقرب سيدنا أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - فدفن هناك، وبني على قبره ضريح من الرخام في غاية الزينة، وذلك بإرادة سنية من السلطان المتقدم ذكره، وقد منحه السلطان حال صحته شعرةً من شعر النبي عليه السلام.

كان رحمه الله حسن الأخلاق، متواضعا، كريم الطبع واليد، لدرجة كأن ما بيده ليس له، وإنا لمن يطلبه، ودخل ليده من التحف والهدايا المغربية والهندية - علاوة عل ذلك الواهب السلطاني - ما لا يحصيه قلم كاتب، ولا حساب حاسب؛ فكان يدخل ليده من هنا ويصرفه هنا؛ ومما يدلنا على ذلك أنه لم يظهر بعد وفاته من تلك التحف والهدايا في تركته شيء، حتى ولا نقود، وقد درج عل منواله في هذا الكرم المفرط أولاده من بعده؛ لأنهم تربوا بتربيته، منهم رئيس بلدية إدلب، وشيخ السجادة بعده في تكيته المومأ إليها، وهو ولده الكبير السيد طاهر أفندي، وأما ولده الثاني السيد أحمد، فقد غادر إدلب منذ بلغ عمره العشرين سنة، وقصد فريضة الحج، واجتمع مع أحد ملوكها، تعرَّف به لاطلاعه على خطوط ملوك الهند في دعوتهم لأبيه المرحوم حينما كان يتجول في تلك البلاد، فأحسن مقابلته، ودعاه إلى البلاد، فسافر معه من الحجاز إلى البلاد الهندية، ونزل في بلدة راندير من أعمال سورت، وتزوج بها بإحدى الكرائم الرفاعية، وكان والدها شيخ التكية هناك، ولم يكن له عقب غيرها، فأقامته العائلة مقامه في تلك التكية، واستقام هناك وباشر الطريقة الرفاعية، وله فيها مريدون لا يحصون، وتكيته عامره بالأذكار والأوراد، وضيافة الفقراء وعابري السبيل، ودخلها السنوي من خمس عشرة قرية، ينوف على ثلاث آلاف ليرة ذهبية إنكليزية، يصرفها الشيخ المومأ إليه على الفقراء وعابري السبيل، وهو وعائلته في هذا الصرف لا يدخل  منها لنفسه شيئاً ،  ولم يزل هذا حاله إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - فقام مقامه الآن السيد: سعيد ابن أخيه السيد طاهر رئيس البلدية المتقدم ذكره، إذ لم يعقب من الذكور أحدا سواه، فرحم الله أهل الكرم والشيم، تموت أجسادهم وتبقى ذكرى مزاياهم خالدة، ينشرها التاريخ عصرا بعد عصر، حتى منتهى الدهر

وأما ذرية السيد محمد يحيى؛ فلم يبق سوى بعض أحفاده في قرية كللي، وأما حفيده سعيد المذكور؛ فبقي في الهند، ولا نعلم هل له ذرية هناك أم لا

 وأما ابنه الشيخ إسماعيل شقيق الشيخ طاهر؛ فقد حضر منذ بضع سنين الهند لإدلب، وحينما رجع توفي في طريقه بدير الزور، ولم يكن له ذرية

والشيخ طاهر المنوه عنه كان عنده بنت اسمها نفيسة، زوجها والدها منذ أكثر من ستين سنة لبشير آغا يحيى من أرمناز، وتوفيت، ولها ابن اسمه السيد طاهر يحيى، وله ذرية كثيرة بحمده تعالى، عائلة كريمة

 

المصدر : كتاب تاريخ الكيالي لمؤلفه العلامة محمد كامل بن محمد النائب الكيالي الإدلبي